في تفكيك بديهيَّة “إنّك ميّتٌ وإنهم ميتون”
ليس الموت حدثاً فريداً. هو أكثرُ الأشياء حدوثاً. لا يمكن أن يحدث أقلّ من اللازم ولا أكثر من اللازم، لأنّ عدد مرات حدوث الموت هو تماماً بقدر عدد نفوس الناس. غير أننا لم نعتدْ عليه بعد ولن نعتاد أبداً. يموت الإنسان منذ أوّل إنسان. يدفن أحدنا أخاه ثم يحيا من بعده منتظراً مَنْ يدفنه. ومع ذلك فنحن في كلّ مرة، مثل كلّ مرة، نصاب بالذهول والرعب من هذه التراجيديا، التي لا تنقضي. نرتجف لهذا الحدث المستهلَك المكرّر المتوقّع والذي يأبى أن يصبح مبتذلاً برغم تكراره.
الآدميون يرتعشون أمام هذه البديهية. وهل أكثر بداهةً من أن يموت الإنسان؟ لكنّها بديهيّة معقدة لأنها تراجيديّة. البديهيّات مرعبة. بلْ لا مرعب إلا ما هو بديهيّ.
لكنّ الموت ليس على هذا القدر من الغموض والتراجيديا بالنسبة للجميع. فهناك الذين يتعاطون معه فيزيائياً أو بايولوجياً أو حسابياً؛ الأطباء والمؤسسات الحكومية والدفّانون والشعراء، أيْ كلّ أولئك الذين لهم الحقّ في أن يعلنوا موت إنسان أو الذين يؤرشفونه أو الذين يتعاملون مع الجثث. ولكي لا ننسى هناك أيضاً الذين يزيلون الغموض والتراجيديا عن الموت بتأويله وتقرير مصير من مات بإنشاء مبتذل من قبيل: “انتهى ككلّ كائن عضوي” أو “سيجدّد عمل الطبيعة بتحلّله”، وأسوأ من ذلك الاستعارة الشعرية المضحكة: “سيحيا في نفوس مَنْ بقي حياً”. لكنّ أسوأ الجميع طرّاً ذلك الذي يطلب أثراً بعد عين، أيْ من ينشد خلود آثار الميت: “سيحيا في ما أنجزه للبشرية”!
كلّ هذه الإعدادات الباهتة غرضها الالتفاف على الفاجعة وتحريفها، لأنها تتكلّم عن الموت في غيابه. تنشئ حقائق صغرى قابلة للفحص، بغية تجريد الموت من طابعه الحقيقيّ المأسويّ. فضيحتنا أننا نعرف يقيناً أن مليارات البشر ماتوا ومليارات أخرى ستموت، وليس فينا من يستطيع التحدث عن هذه الإبادة الجماعية الكونية المستمرة، إلا بهذه اللغة الإجرائية، التي هي أدنى من أن تقول شيئاً ذا مغزى عن حقيقة ما يجري. وذلك لأنّ الموت بالنسبة لمن يفكّر به، هو دائماً موت الآخرين لا موتنا. لسان حال كلّ منا: الآخرون يموتون لا أنا.
والأمر المثير للسخرية حقاً هو أن الإنسان ـ وهو الكائن الوحيد الذي يمكنه التفكير بالموت ـ لا يمكنه تعقّل موته الشخصيّ، إنه غير قادر على التفكّر بالموت، إلا باعتباره حدثاً عمومياً يجري خارجاً، في الخلاء، أو باعتباره شيئاً مدهشاً ومفاجئاً، لكنه يحدث “هناك” بشكل مألوف، انقطاعاً في نظام الطبيعة لكنه شائع للغاية، خروجاً عن النظام لكنه خروج بانتظام، خَرْماً لسياق الحياة لكنه الأكثر انسجاماً مع الحياة، عارضاً يطرأ على الإنسان، لكنْ لم ينجُ منه أحد، ضرورياً لكنه غير مفهوم.
وهذه السمات المتناقضة هي علائم معجزة. أو إذا أردنا الدقّة هي علائم فضيحة كبرى.
الموت فضيحة مدوّية. يحضرني الآن حديثٌ أهلبيتيٌّ عظيم أعشقه:
“سُئل الإمام الحسن بن عليّ: من أبلغُ العرب؟ فقال “عليه السلام”: إنه ذلك الذي قال: فَضحَ الموتُ الدنيا”. وكان الإمام يقصد نفسه طبعاً.
وجهُ الفضيحة في الموت أنه بديهيّة لم تؤخَذْ أبداً على محمل الجدّ. فأنا أعرف أنّ نَفَسي القادم ربما يكون الأخير، ضربة القلب هذه قد يرين بعدها صمت أبديّ، كلمتي هذه على الكيبورد قد تكون نهاية كل ما كتبت، لكنّ هذه الحقائق، التي أصادق عليها كلّها لا تكفي لإقناعي بموتي. الأمر شبيه بـ”أعرفُ لكني غير مقتنع، أعلم لكني لا أصدّق، الأمر مؤكدٌ لكنْ مَنْ يدري؟”. شيءٌ ما لا علاقة له بالمنطق يغمرُ عقلي، فأهجسُ أنّ القانون الذي انطبق على مليارات البشر قبلي، والذي سيخضع له المليارات بعدي، سيتخطاني وأنجو أنا. أنا الذي لا أرى الموت إلا موت الآخرين.
ولأن الأمر في منتهى العبث كما ترون فسنستعين بمسرح العبث. إحدى مسرحيات يوجين يونسكو “الملك يموت ـ بترجمة الدكتورة حمادة إبراهيم”. فيها مِلك يحتضر وحوله عائلته وحاشيته، وهو في آخر أنفاسه يسترسل بهذا المونولوج المضحك والتراجيديّ في آن:
“آه يا لها من فضيحة! لقد جئت إلى الدنيا منذ خمس دقائق. وتزوجت منذ ثلاث دقائق. لقد وعدوني ألّا أموت. إنْ لم أكن سأبقى للأبد فلماذا ولدت؟ لقد اعتليت العرش منذ دقيقتين ونصف. لم يسعفني الوقت لأعرف الحياة. لم يكن لي وقت حتى لأقول: أوف. لقد واجهت الموت ألف مرة. واجهته لكنه لم يكنْ موتي. كان موت الآخرين لا موتي. ووأأسفاه إنني لست حاضراً إلا في الماضي”!
كم هي عظيمة عبارته “لقد وعدوني إلّا أموت”. مَنْ وعده؟ لا أحد في الحقيقة. لم يقدّم لنا أحدٌ وعداً بالخلود، لكننا صدّقنا هذا الوعد الذي لم نُوعَده.
اسمحوا لي أن أتذكر جملة من قصيدتي “كربلاء الوقت”:
“أنا في فواتِ أوان
أو لأقلْ أنا في بهتانِ الأبدِ،
صدَّقتُ ما لمْ يعدنيْ بهِ أحدٌ”.
الآخرون يموتون. هُمْ مواضيع الموت لا أنا. وضمير الغائب “هُمْ” هو الخدعة الكبيرة التي تلهّينا به عن حقيقة أني وإياهم على المسافة ذاتها من الموت، بل ربما كنت أقرب، ربما كنت أنضجُ منهم للدخول في هذا الغياب.
ولهذا فإني أقف طويلاً، يومياً تقريباً أمام هذه الآية القرآنية البديهية: “إنّك ميّت وإنهم ميتون”.
كيف تقدّمتْ “إنّك” على “إنهم”؟ كيف أن هذا الخطاب المباشر للذات بضمير المخاطب المفرد قد كسر آلية الدفاع النفسي وأبطل كل الوعود؟ إنّك أنت قبل الآخرين ميّت. ولم تقل الآية إنك ستموت. بل جاء اسم الفاعل “ميّتٌ” ليقول بأنّ الموت هو سياق الحياة الحاضر لا الآتي.


