
من السهل أن يخطئ الإنسان. فالكمال ليس من صفات البشر. لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ بعد الخطأ. فهناك من يملك شجاعة الاعتراف. وهناك من يقضي عمره كله وهو يبحث عن مبررات. لا لأنه بريء. بل لأنه يخشى أن تسقط صورته أمام الناس. وهنا تتحول المشكلة من خطأ عابر إلى خلل أخلاقي عميق. لأن الخطأ يمكن إصلاحه. أما الإصرار عليه فيصنع شخصية لا ترى نفسها إلا على صواب.
إن أكثر ما يقتل الضمير أن يتعود الإنسان الدفاع عن نفسه في كل الأحوال. فيقلب الحقائق. ويحمّل الآخرين مسؤولية تقصيره. ويختلق الأعذار. ويبحث عمن يصفق له. حتى يقتنع أنه لم يخطئ أصلا. ومع الأيام لا يعود يرى الحقيقة كما هي. بل كما يريدها أن تكون. ولهذا كان الاعتذار الصادق انتصارا على النفس قبل أن يكون إنصافا للآخر. إنه إعلان بأن الحقيقة أعظم من الكبرياء. وأن الكرامة لا تنقص حين يعترف الإنسان بخطئه. وإنما تنقص حين يصر على الباطل وهو يعلمه.
وقد ربّى القرآن الكريم المؤمن على هذه الروح. فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فالمشكلة ليست في وقوع الإنسان في الذنب وحده. بل في الإصرار عليه بعد انكشافه. والإصرار ليس مجرد تكرار الفعل. بل قد يكون برفض الاعتراف. أو بتزيين الخطأ. أو باتهام من كشفه.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «خير إخوانك من أهدى إليك عيوبك.» فالمؤمن لا يعد من ينصحه عدوا. ولا يرى في من يكشف خطأه خصما. بل يعتبره معينا له على إصلاح نفسه. أما الذي يغضب من كل ناصح. ويحارب كل ناقد. فإنه يغلق على نفسه أبواب الكمال. لأن الإنسان لا يرى جميع عيوبه بنفسه.
وقال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم. فإن عمل حسنا استزاد الله. وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه.» فالمحاسبة اليومية هي المدرسة التي يتخرج منها الاعتذار الصادق. لأن من لا يحاسب نفسه لن يجد سببا يعتذر من أجله. وسيبقى يرى التقصير دائما في الآخرين.
ولقد ذكر الشيخ محمد مهدي النراقي قدس سره أن من أخطر أمراض النفس العجب والكبر. لأنهما يمنعان الإنسان من رؤية عيوبه. فإذا عمي عن عيوبه استحال عليه إصلاحها. ولذلك كان الاعتذار من أوضح علامات سلامة القلب. فالإنسان الواثق من نفسه لا يخاف من كلمة “أخطأت”. لأنه يعلم أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد أخطائه. وإنما بقدرته على الرجوع إلى الحق.
ولنجعل من الاعتذار ثقافة في بيوتنا. ويعتذر الأستاذ لتلميذه. والمسؤول لموظفيه. والخطيب إذا نقل معلومة غير ثابتة. والإعلامي إذا نشر خبرا غير صحيح. فالاعتذار لا يسقط الهيبة. بل يبني الثقة. والناس قد تنسى الخطأ. لكنها لا تنسى تواضع من اعترف به.
إن الاعتذار ليس هزيمة. الهزيمة الحقيقية أن ينتصر الإنسان لكبريائه ويخسر ضميره. وليس عيبا أن تخطئ. وإنما العيب أن تجعل من كبريائك سجنا يمنعك من العودة إلى الحق. ومن عرف قيمة الحق لم يستوحش من الاعتذار. لأنه يعلم أن الله عز وجل يحب التوابين. وأن الناس تحترم الصادقين. وأن النفس لا تطمئن إلا إذا تصالحت مع الحقيقة.



