مقالات

سيد هندي

الدكتور عدنان طعمة

كلما عزمنا أمرنا، وقررنا الهجرة شمالا عبر كردستان العراق، مرورا بمدينة الموصل، كانت المدن التي نعبرها تبدو جميلة، لكنها جميعا كانت تؤدي إلى مدينة واحدة لا تظهر على الخرائط،  الشطرة. وما إن يرد اسمها في خاطري حتى تنحرف ذاكرتي وحدها إلى محلة المستشفى كما تنجذب برادة الحديد إلى قطع المغانط من غير أن تعرف سر ذلك الانجذاب.

كانت محلة المستشفى تبدأ من الدوار، أو الفلكة كما نسميها، ولا أدري لماذا تبدو الفلكة في ذاكرتي أوسع مما هي عليه الآن. ربما لأن الطفولة كانت تمنح الأمكنة مساحة إضافية، أو لأن الذاكرة لا تؤمن بالمتر ولا بالمسطرة او أي قياس رياضي آخر. هناك بيوت أهلنا  الغطاغطة وأبناءهم أصدقاء العمر والجيرة.  يومها لم تكن البيوت تحمل أرقاما، بل كانت تحمل أسماء أصحابها والناس هم الذين يمنحون الجدران  هويتها والشوارع اسماءها.

ومن الفلكة كانت الطرق تتفرع مثل عروق الكف، طريق يفضي إلى مستشفى الشطرة، وآخر ينحدر إلى مركز المدينة، وثالث يمر بالحديقة العامة والمكتبة والدور القديمة. ولهذا سموها المربع الحكومي، فقد اجتمعت فيه المحكمة، ومركز الشرطة، والمستشفى، والمكتبة، والمدارس، حتى بدت وكأنه قلب الشطرة النابض، مع أنني كنت أشعر دائما بأن هذه المحلة تعد عالم قائم بذاته، جزيرة صغيرة نعرف كل من فيها، ويعرف بعضنا بعضا من وقع الخطوات قبل ملامح الوجوه.

وفي تلك الجزيرة عاش رجل لم نكن نعرف عنه شيئا سوى اسمه… سيد هندي.

من أين جاء؟ لا أحد يدري. ومن أي مدينة حملته الريح أو الأقدار ؟ لا أحد سأل. ولماذا اختار محلة المستشفى دون سواها؟ كان ذلك من الأسئلة التي لا تخطر على بال الأطفال.

كان يظهر فجأة  كما تظهر الشخصيات الخرافية والاسطورية  في احلام عقول جنوب وادي الرافدين. دشداشة رثة، مفتوحة عند الصدر، وشعر كث يطل منها، وقدمان حافيتان تعرفان حرارة الإسفلت في تموز كما تعرفان برد الأشهر قارصة البرودة. أزرار ثوبه غادر مكانه وكأنه  في خصام دائم معه، أما هو فلم يكن في خصام مع أحد، سوى ذلك العالم الذي لا نعرفه ويسكن رأسه.

كنا فجأة نراه يركض… يركض كأن أحدا يناديه من آخر الشطرة ، ثم يغير اتجاهه ويعود، ثم يهرول في الأزقة الضيقة التي يحفظها أكثر منا جميعا. كنا نحن الصغار نلحق به، لا لشيء إلا لأن الأطفال يركضون خلف كل شيء يتحرك ونهتف ببراءة قاسية:

(سيد هندي… وين ينام هو ومرته بالحمّام).

وكان يمضي في طريقه، لا يلتفت إلينا كأن أصواتنا لا تعنيه، أو كأنه يسمع أصواتا أخرى لا نسمعها نحن.

كبرنا…

وكبر معنا السؤال الذي لم نسأله يوما: من يكون سيد هندي؟

وفي تسعينيات القرن الماضي اختفى، كما تختفي الشخصيات القديمة من الأفلام الجديدة  ، من غير جنازة ولا وداع، ولا حتى خبر. اختفى من محلة المستشفى ثم من الشطرة كلها، حتى حسبناه واحدا من تفاصيل الطفولة التي ابتلعها الزمن وغيبه الموت الذي يفني كل شيء.

وظلت الحكاية نائمة، إلى أن أيقظها الصديق الدكتور عبد الكريم الشيخ سلمان. الذي حدثني خلال الأشهر القليلة الماضية من عام 2026 عن لقاء جمعه بمجموعة بشرية ينتمون إلى طريقة عرفانية يسمونها طريقة سيد هندي، يرفعون صورته، ويتحدثون عن ضريح له في محافظة ديالى، كما يتحدث المريدون عن شيخهم.

ظللت أحدق في الاسم طويلا.

هل يعقل أن يكون الرجل الذي كنا نطارده في الأزقة هو نفسه الذي يراه آخرون وليا وصاحب كرامات؟

لم أجد جوابا.

لكنني أدركت أن الذاكرة مثل المدن، تعطي كل إنسان صورته الخاصة. نحن احتفظنا بسيد هندي الرجل الذي كان يركض حافي القدمين في محلة المستشفى، بينما احتفظ آخرون بسيد هندي الشيخ الذي يقصدون ضريحه.

وكلما مررت بمحلة المستشفى تجول ذاكرتي بذكريات طفولتي وأمكنة الفراغ فيها، وعن  المحكمة والمستشفى والمكتبة، وعن ذلك الرجل الذي يركض بدشداشته الرثة، وصدره المكشوف، وأنفاسه المتلاحقة… ثم أبتسم كأبتسامة جدتي أم ريسان لأن بعض الناس يغادرون المدن لكنهم لا يغادرون ذاكرتها أبدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى