
في النظم الديمقراطية الحديثة، يُفترض أن تقوم عملية اختيار القيادات التنفيذية على معايير الكفاءة السياسية، والخبرة الإدارية، والقدرة على إدارة التوازنات الوطنية ضمن إطار دستوري واضح. غير أن هذا المسار قد يتعرض لاختلالات عميقة عندما يتغلب منطق الشبكات المغلقة والمصالح المتبادلة على منطق الدولة ومؤسساتها.
في هذا السياق، يبرز مصطلح “دولة مجلس الإدارة” بوصفه توصيفاً نقدياً لحالة يتم فيها اختزال الدولة إلى ما يشبه شركة تُدار من قبل مجموعة محدودة من الفاعلين، يتقاسمون الأدوار والنفوذ وفق اعتبارات الربح والخسارة، لا وفق مقتضيات الصالح العام.
إن ما يشهده النظام السياسي العراقي في بعض مراحله، يعيد طرح هذا المفهوم بقوة، خاصة عند ملاحظة آليات اختيار القيادات العليا، التي قد لا تستند دائماً إلى تاريخ سياسي أو إداري متراكم، بل إلى طبيعة العلاقات والقدرة على إدارة التوازنات داخل دوائر النفوذ. وهنا تتحول معايير الاختيار من “من هو الأقدر على إدارة الدولة؟” إلى “من هو الأقدر على إدارة التوافقات وحماية المصالح المتشابكة؟”.
هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل يعكس نمطاً أعمق في إدارة السلطة، حيث:
تُختزل الوظيفة العامة إلى أداة لإدارة المصالح.
تتراجع الحدود بين المال والسياسة.
تصبح الخبرة في “إدارة الشبكات” بديلاً عن الخبرة في إدارة الدولة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الخلفية الاقتصادية أو التجارية تمثل خللاً بحد ذاتها، فالكثير من النظم السياسية تستفيد من خبرات القطاع الخاص. لكن الإشكالية تظهر عندما يكون معيار الاختيار الأساسي هو القدرة على لعب دور “المنسق” بين مراكز القوى، أو “الضامن” لاستمرار توازناتها، بدلاً من كونه قائداً يمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً ورؤية لإدارة الدولة.
إن تكريس هذا النمط يقود تدريجياً إلى إضعاف فكرة الدولة كمؤسسة جامعة، ويعزز منطق “الإدارة التشاركية للمصالح” بين النخب، وهو ما ينعكس سلباً على:
ثقة المواطن بالعملية السياسية
فاعلية المؤسسات الرقابية
جودة السياسات العامة
كما أنه يعمق الفجوة بين النص الدستوري الذي يقوم على التمثيل والإرادة الشعبية، وبين الممارسة الفعلية التي تُدار داخل غرف مغلقة.
إن التحدي الحقيقي أمام النظام السياسي العراقي لا يكمن فقط في اختيار الأشخاص، بل في إعادة الاعتبار لمعايير الاختيار نفسها، وترسيخ فكرة أن الدولة ليست شركة، وأن السلطة ليست صفقة، وأن الشرعية لا تُبنى على التوافقات الضيقة بقدر ما تُبنى على الكفاءة والقدرة على تلبية تطلعات المجتمع.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يتجه النظام السياسي نحو ترسيخ نموذج “دولة المؤسسات”، أم أنه يكرس، بشكل متدرج، ملامح “دولة مجلس الإدارة”؟



