
لم تعد صور المليارات المضبوطة داخل المنازل والمزارع وأماكن الإخفاء الأخرى مجرد مادة إعلامية تثير دهشة الرأي العام، بل أصبحت مؤشرًا خطيرًا على حجم التشوه الذي أصاب منظومة إدارة المال العام في العراق. فالمشهد لم يعد يتعلق بمخالفة قانونية أو قضية فساد معزولة، وإنما يكشف عن اقتصاد خفي وشبكات نفوذ تمكنت عبر سنوات من استغلال مؤسسات الدولة وتحويل المال العام إلى ثروات خاصة.
وقد جاءت الإجراءات الحكومية الأخيرة، المتمثلة بإلقاء القبض على عدد من النواب والمسؤولين التنفيذيين بتهم تتعلق بالفساد وتضخم الأموال، وما أعلنته الجهات المختصة من ضبط مبالغ نقدية كبيرة، لتفتح بابًا واسعًا أمام تساؤل جوهري: هل دخل العراق بالفعل مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، أم أن هذه الإجراءات ستبقى ضمن حدود ردود الفعل المؤقتة؟ ومع ذلك، تبقى هذه القضايا خاضعة لإجراءات القضاء، ويتمتع جميع المتهمين بقرينة البراءة حتى صدور أحكام قضائية باتة.
إن أهمية هذه الحملة لا تكمن في عدد الموقوفين أو حجم الأموال المضبوطة فحسب، وإنما في الرسالة التي تحملها. فإذا كانت الدولة قد قررت كسر الحواجز التي طالما أحاطت بأصحاب النفوذ، فإنها تكون قد بدأت أولى خطوات استعادة هيبتها وترسيخ مبدأ سيادة القانون. أما إذا توقفت الحملة عند حدود معينة أو خضعت للتسويات السياسية، فإنها ستتحول إلى محطة عابرة في سجل طويل من المحاولات غير المكتملة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنفيذ الاعتقالات، بل في تفكيك المنظومة التي أنتجت الفساد. فالفساد في العراق لم يعد سلوكًا فرديًا، بل أصبح في كثير من الأحيان منظومة متشابكة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، بحيث توفر أطرافها الحماية المتبادلة، وتعيد إنتاج نفسها كلما غابت المحاسبة وضعفت الرقابة.
ولعل أخطر ما في الفساد أنه تجاوز كونه مشكلة مالية أو إدارية، ليصبح قضية تمس الأمن القومي والأمن السياسي للدولة. فالدولة التي تُستنزف مواردها بالفساد تفقد تدريجيًا قدرتها على تمويل مشاريع التنمية، وتطوير مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتحسين خدماتها الأساسية، مما ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها في مواجهة التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية.
أما على مستوى الأمن السياسي، فإن الفساد يؤدي إلى تآكل شرعية النظام السياسي، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الدستورية، وتغذية مشاعر الإحباط والعزوف عن المشاركة السياسية، وخلق بيئة خصبة للاحتجاجات وعدم الاستقرار. كما أن الدول الضعيفة والمؤسسات الهشة تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والضغوط الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل مكافحة الفساد جزءًا من منظومة حماية السيادة الوطنية، وليس مجرد ملف رقابي أو قضائي.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الإجراءات الحكومية الحالية لا يقاس بعدد الشخصيات التي تطالها التحقيقات، ولا بحجم الأموال التي يتم ضبطها، بل بقدرتها على الوصول إلى الشبكات المنظمة التي صنعت الفساد، واسترداد الأموال العامة، وملاحقة عمليات غسل الأموال، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية الأجهزة الرقابية، وإغلاق المنافذ التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد.
وتقف الحكومة اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسة. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الحملة بوتيرة متصاعدة، بعيدًا عن الانتقائية، لتشمل جميع المتورطين وفق القانون، مع استكمال الإصلاحات المؤسسية، الأمر الذي قد يسهم في استعادة ثقة المواطنين وترسيخ هيبة الدولة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على تراجع زخم الحملة نتيجة الضغوط السياسية أو التسويات، فتقتصر الإجراءات على ملفات محددة دون الوصول إلى الرؤوس المدبرة أو الشبكات الأوسع، وهو ما سيعيد إنتاج أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. بينما يتمثل السيناريو الثالث في توظيف ملفات الفساد ضمن الصراع السياسي بين القوى المتنافسة، بحيث تتحول مكافحة الفساد إلى أداة لتصفية الخصومات أو إعادة رسم موازين القوى، وهو مسار قد يضعف ثقة الرأي العام حتى بالإجراءات القانونية السليمة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في مكافحة الفساد لم تعتمد على الحملات الأمنية وحدها، بل بنت مؤسسات قوية، وربطت السلطة بالمساءلة، ورسخت استقلال القضاء، ووسعت نطاق الحكومة الرقمية، وفرضت أعلى درجات الشفافية في إدارة المال العام والعقود الحكومية. فالفساد لا يُهزم بالاعتقالات وحدها، وإنما بمنع أسبابه وتجفيف منابعه.
إن العراق يقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة. فإذا استُثمرت هذه اللحظة في بناء منظومة إصلاح متكاملة، فقد تكون بداية حقيقية لاستعادة الدولة وتعزيز أمنها القومي والسياسي. أما إذا ضاعت هذه الفرصة، فإن الأموال المصادرة ستبقى مجرد أرقام، وستظل صور المليارات المخبأة تتكرر بأشكال مختلفة، بينما يستمر المواطن في دفع ثمن الفساد من أمنه، وخدماته، وفرصه في التنمية، ومستقبل أجياله.
ويبقى السؤال الذي سيحكم على هذه المرحلة ليس: كم شخصًا تم اعتقاله؟ ولا كم مليارًا تم ضبطه؟ بل: هل استطاعت الدولة أن تجعل الفساد أكثر كلفة من الالتزام بالقانون؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإن العراق يكون قد بدأ بالفعل معركة استعادة الدولة وحماية أمنه القومي. أما إذا كانت الإجابة لا، فإن معركة الفساد ستبقى تدور في حلقة مفرغة، مهما كانت صدمة المشاهد التي تكشفها الحملات الأمنية.



