
في مدينة الناصرية مركز تجاري حديث صغير (مول) أحبه وأحرص على زيارته كلما زرت والدي. حيّرتني جاذبية هذا المكان طويلاً، وتساءلت: ما الذي يجذبني إلى هذا الفضاء المحلي الذي قلّما اشتريت منه بضاعة؟
في كل مرة أذهب بحماس مع أحبة لي لتناول المرطبات والمثلجات في مقهى يطل على الفناء الداخلي للمول، حيث تتوسطه عدة نخلات ويطل من جهة أخرى على الفرات العظيم. أدركت مؤخراً أنني أحب هذا المكان لأن تصميمه يشبه البيوت العربية التقليدية، أو بالأحرى البيت العربي الذي قضيت فيه سنوات طفولتي المبكرة. فناء في الوسط (حوش)، تلتف حوله الكتلة المعمارية بطوابقها الثلاثة في مربع غير مكتمل.
ببساطة، المكان يشبه نفسه. لذلك صار منسجماً وجذاباً.
أقول هذا وأنا أواكب عمليات التجميل التي تخضع لها مدينة الناصرية منذ بضع سنوات. آلاف المليارات من الدنانير أُنفقت عبر صندوق إعمار ذي قار في هذه العملية. وهو رقم مهول كان يمكن أن يبني مدينة حديثة متكاملة.
لكن الناصرية اليوم ليست هذه المدينة الحديثة المتكاملة، بل أقرب الى “زرِق وَرِق” بتعبير أهلها. افتُتحت فيها مؤخراً وكالة تجارية جديدة، في الأغلب تركية، حرص أصحابها على دعوة وجوه فنية لحفل الافتتاح، وكأن هذا أعظم ما يمكن أن تفخر به الناصرية.
أراقب أيضاً الاحتفاء بمطار الناصرية الموعود. والحقيقة أن الأساس الاستراتيجي للمشروع وُضع قبل عقود مع إنشاء قاعدة الإمام علي الجوية في سبعينيات القرن الماضي. أما المشروع الحالي فيستند إلى تلك البنية الأساسية ويعمل على تحويلها إلى منشأة مدنية حديثة.
لا أعترض على ذلك، بل على الطريقة التي يسوق بها البناء الجديد وكأنه بدأ من فراغ، متجاهلين التراكم التاريخي الذي جعله ممكناً.
وأيضا المباني الجديدة في أور التاريخية. أراقبها وقلبي على يدي، ليس اعتراضاً على تحسين الخدمات للسواح، بل خشية أن تطغى المنشآت الحديثة على المكان نفسه فتضعف فرادته البصرية والرمزية.
هناك تقف زقورة أور، بشموخ غالب الدهور. منذ أكثر من أربعة آلاف عام من عهد الملك السومري أور-نمو، في قلب واحدة من أهم مدن العالم القديم، شاهدة على بدايات العمران المنظم والسلطة المركزية والخيال الديني الذي أسهم في تشكيل الحضارة الإنسانية. فيما تتغير حولها الدول والإمبراطوريات والأفكار.
ماذا أريد أن أقول من كل هذا السرد؟
أقول إن الناصرية، ومدناً عراقية عديدة أخرى، لا تفهم نفسها. أي إنها لا تعي المفهوم الحضاري الذي تمثله عبر صيرورتها التاريخية الطبيعية، كما لا تدرك موقعها في التاريخ. والمدن التي لا تدرك ذلك مدن عمياء؛ مدن تتعثر بنماذج عمران لا تشبهها، وتلبس ثياباً لا تليق بها، وتظل تدور مثل حصان الناعور حول نفسها، واهمة أنها تتقدم إلى الأمام.
الناصرية مدينة فريدة، مثل عديد من مدن العراق. تكمن فرادتها في تاريخها، وفي جغرافيتها، وفي بشرها أيضاً. فهي مزيج من القبائل العربية والتجمعات الحضرية ذات الديانات التاريخية العتيقة، والعوائل المدنية المستقرة في التجارة والثقافة والفنون. هي رافدينية قديمة بقدر ما هي عربية راسخة.
الفرات فيها واسع وفخور، رجالها أقرب إلى سمات الرجال التاريخية، ونساؤها مستقلات ومقدامات.
أما تخطيطها الحضري فهو جزء من هويتها أيضاً. فالناصرية الحديثة لم تنشأ عشوائياً، بل خُططت في أواخر القرن التاسع عشر على يد المهندس البلجيكي جول تيلي، الذي رسم لها شبكة من الشوارع المستقيمة والواسعة على ضفاف الفرات. وقد مثّل ذلك محاولة مبكرة لبناء مدينة حديثة تستفيد من النهر وتنسجم مع جغرافيتها في آن واحد.
كيف يمكن أن تعكس الناصرية ميلها للفكر والثقافة والفنون والفروسية؟ كيف تعكس تعايش الطبقات الاجتماعية المختلفة؟ وتجاور المذاهب والأديان؟ والتوازن بين التاريخ والمستقبل؟
كيف يمكن أن تُترجم شخصيتها إلى عمران وفضاءات عامة وحدائق ومكتبات ومراكز ثقافية وساحات تليق بها؟
قطعاً، بما يشبهها.
ليس في التصميم المعماري فحسب، بل في مواد البناء، وفي نوع الغطاء النباتي أيضاً. فأي نوع من الغطاء النباتي ينبغي أن يحمي الناصرية ويكون أولوية لمدينة مفتوحة على الصحراء من جهة، وعلى الأهوار والمسطحات المائية من جهة أخرى؛ مدينة يمر بها نهر عظيم، ولا يرويها؟
الصورة في أهوار ذي قار ذات صيف قبل اقل من عقد.



