مقالات

فساد بسكر قليل

القاضي إياد محسن ضمد

من يلتهم وجبة غذائية دسمة غنية بالسعرات، ثم يطلب الشاي بسكر قليل، خوفاً من السمنة، فإنه يعيش مفارقة سلوكية مضحكة، أو شكلاً من أشكال وهم الالتزام، كونه يدرك أن الإفراط في تناول الطعام سلوك خاطئ، ولكي يحمي نفسه من الشعور بوخز الضمير وتأنيبه، فإنه يقوم بتضحية بسيطة (سكر قليل) ليمنح نفسه شعوراً زائفاً بأنه شخص لا يزال يهتم بصحته.

هذا الشخص حاله حال المسؤول الذي يرتكب جرائم فساد كبيرة، لكنه لا يستخدم قلم الدائرة لغير أغراض العمل، أو يستشيط غضباً لو تأخر موظف بسيط عن الدوام خمس دقائق، فمثل هذا المسؤول الفاسد يعيش صراعاً داخلياً مع أناه العليا التي ترفض صورة المجرم، ولكي يعيد التوازن لنفسه فإنه يتمسك بتطبيق بعض التعليمات البسيطة، كإطفاء أنوار الإضاءة قبل مغادرة الدائرة، أو عدم تمشية معاملة مواطن كونها مخالفة لبعض السياقات، وهذا السكر الوظيفي القليل بمثابة جرعة أخلاقية وهمية يمنحها المسؤول الفاسد لنفسه ليحصل على رخصة لتمرير مخالفات كبيرة دون أن يشعر بالذنب، وليس ذلك إلا محاولة لهروب تكتيكي من الشعور بالذنب ومن العقاب، في حال نجح الفاسد بإقناع جهات الرقابة بأنه موظف نزيه.

ولا خلاف في أن ما يقوم به هذا الموظف الفاسد يدخل ضمن مفهوم (تجزئة الضمير)، وهي حيلة نفسية لا شعورية يخدع بها الإنسان نفسه، ويقسم من خلالها منظومته الأخلاقية إلى صناديق مغلقة ومعزولة، يفصل بينها بشكل تام ليرتكب المخالفات دون تأنيب للضمير، فيتعامل مع كل سياق من سياقات حياته بشكل مختلف، إذ يضع في صندوق حياته الشخصية والدينية قواعد الأمانة والالتزام، لكنه يعطل هذه القيم الجيدة حين ينتقل للوظيفة العامة، ويضع في صندوقها قواعد لممارسة الفساد.

هذه الحالة من (التوازن النفسي المزيف) قد تمنح الشخص شعوراً مريحاً للنوم بسلام، لأن الصغائر المستقيمة تصير مثل محاماة نفسية للجرائم الكبيرة، لكنها لا تعفيه من العقاب القانوني، والمشرع، وفي كافة النظم العقابية الجزائية، لم يعترف بما يسمى بـ(المقاصة الأخلاقية)، حيث لا تعفي صغائر الالتزامات من الأفعال الجرمية، وإن التزام الموظف بأوقات الدوام الرسمي وحصوله على كتب شكر كثيرة لا يعفيه قانوناً من العقاب في حال ارتكابه جريمة رشوة أو اختلاس.

والمحكمة لا تحاكم الإنسان كشخص بالمجمل، بل تحاكمه من خلال الواقعة الجرمية التي ارتكبها، وبالتالي فإن مظهره الخارجي في الالتزام بالجزئيات لا قيمة قانونية له أمام الأدلة التي تثبت ارتكابه للجريمة.

وحيث إن تقليل ملعقة سكر للشاي لن يحمي جسد من يتناول وجبة غذائية دسمة من السمنة، فإن تطبيق التعليمات البسيط والالتزام بصغائر الأمور الوظيفية لن يحمي سراق المال العام ومرتكبي جرائم الرشوة والفساد من الملاحقة القانونية والعقابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى